السيد كمال الحيدري
285
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
إلى هذا المنحى يشير النصّ التالي الذي ساقه صاحبه بعد استدلاله على عدميّة الشرور من خلال برهان الخُلف : « ويصدّق ذلك التأمّل الوافي في موارد الشرّ من الحوادث ، فإنّ الإمعان في أطرافها يهدى إلى أنّ الشرّ الواقع عدم ذات أو عدم كمال ذات . كما إذا قتل رجل رجلًا بالسيف صبراً ، فالضرب المؤثّر الذي تصدّاه القاتل كمال له وليس بشرّ ، وحدّة السيف وكونه قطّاعاً كمال له وليس بشرّ ، وانفعال عنق المقتول ولينته كمال لبدنه وليس بشرّ وهكذا . فليس الشرّ إلّا إزهاق الروح وبطلان الحياة وهو عدمىّ » « 1 » . هذا المنحى الذي أشار إليه المعاصرون في إثبات عدمية الشرور من خلال استقراء الدور الذي تلعبه في العلاقة مع الأشياء ، يرتكز إلى خلفية عريقة في الفكر الفلسفي والكلامى . ففي نصّ يعود إلى القرن الثامن الهجري ، يقول العلّامة الحلّى : « إذا تأمّلنا في كلّ ما يقال له شرّ وجدناه عدماً . ألا ترى القتل فإنّ العقلاء حكموا بكونه شرّاً ، وإذا تأمّلناه وجدنا شرّيته باعتبار ما يتضمّن من العدم فإنّه ليس شرّاً من حيث قدرة القادر عليه ؛ فإنّ القدرة كمال الإنسان ، ولا من حيث إنّ الآلة قطّاعة فإنّه أيضاً كمال لها ، ولا من حيث حركة أعضاء القاتل ، ولا من حيث قبول العضو المنقطع للتقطيع ، بل من حيث هو إزالة كمال الحياة عن الشخص . فليس الشرّ إلّا هذا العدم ، وباقي القيود الوجودية خيرات ، فحكموا بأنّ الوجود خير محض والعدم شرّ محض » « 2 » . في هذا الضوء انتهى الفلاسفة إلى أنّ الوجود خير محض والعدم شرّ محض ، فكلّ ما يطلق عليها شرور هي في الحقيقة ليست شروراً في ذاتها ، وإنّما تستحقّ وصف الشرّ لأنّها تؤدّى إلى إعدام وجود أو إعدام كمال وجود .
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 311 . ( 2 ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، المسألة السابعة من الفصل الأوّل من المقصد الأوّل ، ص 12 .